فخر الدين الرازي
276
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
فيه أن مشاهدتهم تذكر أمر الآخرة لما يشاهد فيهم من آيات الخشوع والخضوع ، ولما ذكر اللَّه تعالى سبحانه في قوله : سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ / أَثَرِ السُّجُودِ [ الفتح : 29 ] وأما الأثر ، فقال أبو بكر الأصم : أولياء اللَّه هم الذين تولى اللَّه تعالى هدايتهم بالبرهان وتولوا القيام بحق عبودية اللَّه تعالى والدعوة إليه ، وأما المعقول فنقول : ظهر في علم الاشتقاق أن تركيب الواو واللام والياء يدل على معنى القرب ، فولى كل شيء هو الذي يكون قريبا منه ، والقرب من اللَّه تعالى بالمكان والجهة محال ، فالقرب منه إنما يكون إذا كان القلب مستغرقا في نور معرفة اللَّه تعالى سبحانه ، فإن رأى رأى دلائل قدرة اللَّه ، وإن سمع سمع آيات اللَّه وإن نطق نطق بالثناء على اللَّه ، وإن تحرك تحرك تحرك في خدمة اللَّه ، وإن اجتهد اجتهد في طاعة اللَّه ، فهنالك يكون في غاية القرب من اللَّه ، فهذا الشخص يكون وليا للَّه تعالى ، وإذا كان كذلك كان اللَّه تعالى وليا له أيضا كما قال اللَّه تعالى : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [ البقرة : 257 ] ويجب أن يكون الأمر كذلك ، لأن القرب لا يحصل إلا من الجانبين . وقال المتكلمون : ولي اللَّه من يكون آتيا بالاعتقاد الصحيح المبني على الدليل ويكون آتيا بالأعمال الصالحة على وفق ما وردت به الشريعة ، فهذا كلام مختصر في تفسير الولي . وأما قوله تعالى في صفتهم : لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ففيه بحثان : البحث الأول : أن الخوف إنما يكون في المستقبل بمعنى أنه يخاف حدوث شيء في المستقبل من المخوف ، والحزن إنما يكون على الماضي إما لأجل أنه كان قد حصل في الماضي ما كرهه أو لأنه فات شيء أحبه . البحث الثاني : قال بعض المحققين : إن نفي الحزن والخوف إما أن يحصل للأولياء حال كونهم في الدنيا أو حال انتقالهم إلى الآخرة والأول باطل لوجوه : أحدها : أن هذا لا يحصل في دار الدنيا لأنها دار خوف وحزن والمؤمن خصوصا لا يخلو من ذلك على ما قاله الرسول عليه الصلاة والسلام : « الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر » وعلى ما قال : « حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات » وثانيها : أن المؤمن ، وإن صفا عيشه في الدنيا ، فإنه لا يخلو من هم بأمر الآخرة شديد ، وحزن على ما يفوته من القيام بطاعة اللَّه تعالى ، وإذا بطل هذا القسم وجب حمل قوله تعالى : لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ على أمر الآخرة ، فهذا كلام محقق ، وقال بعض العارفين : إن الولاية عبارة عن القرب ، فولي اللَّه تعالى هو الذي يكون في غاية القرب من اللَّه تعالى ، وهذا التقرير قد فسرناه باستغراقه في معرفة اللَّه تعالى بحيث لا يخطر بباله في تلك اللحظة شيء مما سوى اللَّه ، ففي هذه الساعة تحصل الولاية التامة ، ومتى كانت هذه الحالة حاصلة فإن صاحبها لا يخاف شيئا ، ولا يحزن بسبب شيء ، وكيف يعقل ذلك والخوف من الشيء والحزن على الشيء لا يحصل إلا بعد الشعور به ، والمستغرق في نور جلال اللَّه غافل عن كل ما سوى اللَّه تعالى ، فيمتنع أن يكون له خوف أو حزن ؟ / وهذه درجة عالية ، ومن لم يذقها لم يعرفها ، ثم إن صاحب هذه الحالة قد تزول عنه الحالة ، وحينئذ يحصل له الخوف والحزن والرجاء والرغبة والرهبة بسبب الأحوال الجسمانية ، كما يحصل لغيره ، وسمعت أن إبراهيم الخواص كان بالبادية ومعه وأحد يصحبه ، فاتفق في بعض الليالي ظهور حالة قوية وكشف تام له ، فجلس في موضعه وجاءت السباع وو قفوا بالقرب منه ، والمريد تسلق على رأس شجرة خوفا منها والشيخ ما كان فازعا من تلك السباع ، فلما أصبح وزالت تلك الحالة ففي الليلة الثانية وقعت بعوضة على يده فأظهر الجزع من تلك